الأردن
فريق شييك
"ظرفي الصحي صعب؛ خضعت لاستئصال سرطاني ولا أقوى على العناية بها، وأنا وأخواتي أولادنا شباب وهذا عائق لرعايتها". بهذا تُلخص خديجة (اسم مستعار) وضع أختها (52 عاماً) التي تعاني تخلفاً عقلياً شديداً، وتتلقى الرعاية بمركز إيواء جرش منذ 2004، ونُقلت لمركز الظليل قبل 6 سنوات.
تقول خديجة: "أبلغتنا المديرة بضرورة تسلمها قبل آذار، وظروفنا لا تسمح باستقبالها"، مؤكدةً حاجتها لعناية فائقة يعجز الجميع عن تقديمها.
يعكس ذلك استياء عائلات ذوي الإعاقة من قرار أُبلغوا به نهاية تشرين الثاني الماضي، يقضي بإخراج أبنائهم في آذار القادم لدمجهم بأسرهم أو "أسر بديلة". ما شكّل رفضاً مطلقاً لهذا الخيار "المجحف" -خاصة للإناث- وسط تساؤلات عن مدى امتلاك وزارة التنمية فرقاً مؤهلة للرعاية المنزلية، كما في أمريكا والدول الغربية.
فهل يحق للدولة فرض نموذج رعاية واحد على الجميع، بغض النظر عن رضا أسرهم وشدة إعاقتهم؟
صرخة أمام البرلمان
مع اقتراب مهلة العشر سنوات التي حددها قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (2017)، يرفض الأهالي قرار وزارة التنمية بوقف عقود "المراكز الإيوائية". وفي 18 يناير 2026، نظّم الأهالي وقفة أمام مجلس النواب سلّموا خلالها عريضة مناشدة تطالب بمراجعة القرار الذي وصفوه بـ"غير الواقعي". وأكد الأهالي أن أبناءهم اعتادوا على "نظام رعاية يومي وأساليب فنية وعلمية" متخصصة داخل المراكز، وهي برامج روتينية دقيقة تعجز الأسر عن توفيرها في المنازل، مما يجعل الدمج المنزلي خطراً على استقرارهم التأهيلي.
وعود متبخرة
على النقيض من المخاوف، خاضت كفاح مناصرة تجربة الدمج فعلياً مع ابنة زوجها (إعاقة عقلية شديدة) منذ عامين. ورغم إشادتها بمركز "الأمل"، إلا أن الدمج المنزلي اصطدم بغياب التمهيد؛ إذ لم تُهيأ العائلة أو الغرفة لاستقبالها، مما جعل كفاح تعاني حتى الآن في التعامل مع تصرفاتها.
وتؤكد كفاح أن وعود وزارة التنمية بتهيئة المرافق والسرير تلاشت لأن المنزل "إيجار". أما ماديًا، فتتلقى العائلة (239 ديناراً) شهرياً، وهو مبلغ تصفه بأنه غير كافٍ؛ إذ يُستنزف في إيجار المنزل ومصاريف "الحفاضات" والغذاء وزيارات المستشفى من الرصيفة إلى مستشفى البشير، خاصة بعد اكتشاف إصابة الطفلة بكسل الغدة الدرقية، ومشاكل صحية أخرى. ورغم وجود زيارات استشارية دورية، إلا أن طلبات المساعدة الإضافية قوبلت برفض قطعي من "تنمية الرصيفة"، لتبقى العائلة عاجزة عن تلبية احتياجات الطفلة.
التنمية ترد
أكد خليفة الشريدة، مسؤول ملف الإيواء في وزارة التنمية الاجتماعية، لـ"شييك"، أن الأصل هو وجود الأشخاص ذوي الإعاقة ضمن أسرهم ومجتمعاتهم، كاشفاً أن 11.2% من سكان الأردن هم ذوو إعاقة، بينهم 80,400 حالة شديدة، بينما تضم دور الإيواء 607 حالات فقط. وشدد على أن الإعاقة لا يجب أن تُحمّل مسؤولية المشكلات الأسرية.
وأوضح الشريدة أن خطة الدمج ليست مفاجئة، بل بدأت منذ إطلاق قانون عام 2017، مستندةً إلى حلول تتناسب مع البيئة الأردنية (أسر بيولوجية، بديلة، أو منازل عيش مستقل). وكشف عن إدماج 675 حالة حتى الآن، خضعت لدراسات ومراحل متعددة قبل التنفيذ.
وعن آليات الرعاية، جزم الشريدة بأن الأسر لا تُترك دون متابعة، حيث تنفذ 7 جهات برنامجاً يتضمن زيارات منزلية تتراوح بين مرة إلى 4 مرات أسبوعياً حسب الحاجة. أما "الأسر البديلة"، فتُختار بالشراكة مع القضاء الشرعي والمجلس الأعلى لحقوق ذوي الإعاقة لضمان سلامة البيئة، مؤكداً وجود طلبات متزايدة للانضمام لهذه التجربة التي وصفها بالناجحة والرقابية.
واختتم الشريدة بالإشارة إلى أن المراكز الإيوائية تكرس "الاعتمادية" وتحد من التطور، بينما يوفر الدمج الأسري استقلالية واحتكاكاً مجتمعياً أوسع، مما يعزز السلوكيات الصحيحة لدى الشخص ذوي الإعاقة ويخرجه من دائرة العزلة.
بيان الوزارة
في بيان مشترك بتاريخ 21 يناير 2026 جاء عقب وقفة احتجاجية للأهالي، أكدت وزارة التنمية والمجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أن تحويل الإيواء إلى خدمات دامجة هو التزام دستوري وقانوني يعزز "العيش المستقل".
وأوضح البيان أن الأصل هو البقاء في كنف الأسرة، حيث يعيش عشرات الآلاف مع عائلاتهم مقابل 607 أردنيين فقط في دور الإيواء (من أصل 1407 منتفعين). وكشفت الوزارة عن تقديم بدائل تشمل دعماً مالياً يصل إلى 600 دينار، وتوفير مراكز نهارية، ونظام متابعة ميداني، بالإضافة إلى "البيوت الجماعية" لمن يفتقرون للسند الأسري، مؤكدة أن الدمج يخضع لتقييمات فردية لضمان سلامة الجميع.
بين غياب الدعم وعزلة الرعاية
أثناء تواصل معدة التقرير مع الأهالي، برزت قصص أخرى تعكس تعثر مسار الدمج؛ فابن "أم ياسر" (اسم مستعار) الذي يعاني تخلفاً عقلياً شديداً، سُلّم لعائلته عام 2019 بعد عام من الرعاية في مركز إيواء الكرك بحجة "وجود الأبوين". ومنذ ذلك الحين، تعيش العائلة دون تعويض مالي أو تهيئة أو متابعة لحالته، في ظل انعدام دخل الأب وعدم امتلاك منزل. ورغم مراجعتهم لوزارة التنمية للحصول على مخصصات شهرية، كان الرد: "العائلات التي لديها أكثر من ابن من ذوي الإعاقة أحق بالرعاية".
وفي الزرقاء، تروي "سماح" (اسم مستعار) فصلاً من المعاناة؛ إذ رعت شقيقة زوجها الخمسينية التي تعاني إعاقة عقلية شديدة لـ 20 عاماً، بعد رفض شقيقاتها استقبالها. تصف سماح هذه التجربة بالعزلة الاجتماعية والإنهاك المادي والنفسي، لا سيما مع وجود أبناء في الجامعات ومحدودية دخل زوجها.
قبل عامين، حاولت سماح إلحاق شقيقة زوجها بدار إيواء، إلا أن وزارة التنمية الاجتماعية أبلغتها بوقف الاستقبال والتوجه نحو "التعويض المادي". ورغم استكمال الأوراق منذ عام، لم تحصل على أي مقابل حتى الآن. وبحسب سماح، فإن رد الوزارة جاء مخيباً؛ إذ اشترطت التعليمات الجديدة وجود أكثر من شخص ذوي إعاقة في الأسرة الواحدة لصرف المساعدة، باستثناء الحالات المقيمة أصلاً داخل مراكز الإيواء، مما ترك العائلة عالقة بين ثقل الرعاية وغياب البديل الحكومي.
الفجوة القانونية: "الدمج" بين النص والتطبيق
في مواجهة سياسات الدمج الموحدة، تبرز المادة (4/أ) من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تنص صراحة على احترام حرية اختياراتهم وضمان استقلاليتهم الفردية. ويتعزز هذا المبدأ دولياً عبر المادة (19/أ) من اتفاقية الأمم المتحدة، التي تؤكد حقهم في اختيار مكان إقامتهم ومن يعيشون معهم على قدم المساواة مع الآخرين. إلا أن الواقع الميداني يكشف فجوة بين هذه النصوص وبين التنفيذ؛ إذ تظهر ممارسات "الدمج القسري" في أسر بديلة أو بيئات مجتمعية دون إشراك حقيقي للشخص أو أهله، وتزداد القضية تعقيداً في حالات فاقدي الأهلية غير القادرين على التعبير عن إرادتهم أو التفاوض حول نمط حياتهم.
المادة 4 الفقرة أ من قانون الأشخاص ذوي الإعاقة لعام 2017
المادة 19 الفقرة أ من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة للأمم المتحدة
رؤية حقوقية: الدمج "خيار" لا "إجبار"
توضح المحامية والناشطة الحقوقية، هالة عاهد، لـ"شييك" أن الدمج حق طوعي واختياري بموجب المادة (19) من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تمنحهم حق اختيار مكان إقامتهم وترفض إجبارهم على ترتيب معيشي محدد. وتعتبر عاهد أن "الدمج القسري" الحالي ينتهك هذه الحقوق، مشددة على أن المعيار في حالات الإعاقة الشديدة يجب أن يكون "تحقيق أفضل رعاية".
وترى عاهد أن فرض نموذج واحد وإلغاء البدائل يعد "تمييزاً صارخاً" ضد ذوي الإعاقة الشديدة الذين يحتاجون رعاية متخصصة (تمريض، علاج تأهيلي، إشراف طبي) لا تتوفر لدى الأهالي أو الأسر البديلة. وتتساءل عن قدرة الوزارة على مراقبة الأسر البديلة في ظل وقوع انتهاكات سابقة في دور رعاية كانت تحت الإشراف الدائم، محذرة من أن بعض الأسر البديلة قد تطمع في المبالغ المالية فقط.
وعن الجانب القانوني، توضح عاهد أن المادة (27) من القانون المحلي نصت على تحويل المراكز "الخاصة" إلى نهارية خلال عشر سنوات، ولم تنص على إلغاء المراكز "الحكومية". وتختتم بالتأكيد على أن دور الجهات الرسمية هو توسيع الخيارات لا تقليصها، عبر إيجاد دور إيواء متخصصة وعالية المهنية، مع دعم الأسر طبيعياً ومادياً وتدريبهم، وتحقيق الدمج الطوعي تدريجياً.
مخاطر الدمج القسري
تحذر خبيرة الاحتياجات الخاصة والتوحد، اعتدال الآغا، في تصريح لـ "شييك"، من أن "الدمج القسري" للحالات الشديدة وغير المدركة يشكل خطراً حقيقياً على الطفل وعائلته؛ مؤكدة أن انتزاع الطفل من نظام رعاية اعتاد عليه لدمجه منزلياً دون تهيئة مسبقة يعرضه لـ "انهيارات حسية وسلوكية" حادة.
وتشير الآغا إلى أن قرار الإلغاء جاء "مفاجئاً" للأهالي منذ نهاية العام الماضي، دون إشراكهم في القرار أو الاستفادة من خبراتهم رغم صدور القانون منذ 2017. وتوضح -بناءً على تجربتها في الولايات المتحدة- أن الدول الغربية لم تلغِ مراكز الإيواء، بل أوجدت بدائل متخصصة توفر فرقاً ومناخاً تأهيلياً يضمن تحسن الحالة، وهو ما تفتقر إليه الآلية الحالية.
كما دعت الآغا إلى ضرورة الالتفات للفئات المهشمة خارج مراكز الإيواء الذين لا يتلقون رعاية من وزارة التنمية الاجتماعية، مشددة على أن الوزارة تحصر نقاشها في "حالات" معينة داخل المراكز، بينما تحتاج هذه "الفئة" بالكامل إلى جهود حكومية واضحة ورعاية متخصصة للوصول إلى المعايير المتقدمة المطبقة دولياً.
من جانبه، وصف رئيس جمعية "مزن العطاء"، أحمد أبو خضرة، قرار الإلغاء التام بـ"المجحف"، مؤكداً أن حالات الإعاقة الشديدة تستدعي مراقبة مستمرة لا تقدر عليها الأسر البيولوجية أو البديلة. وحذر أبو خضرة من أن غياب الإيواء المتخصص سيدفع الأهالي نحو مراكز خاصة تثقل كاهلهم مادياً، أو قد يؤدي لوقوع "اعتداءات" على ذوي الإعاقة داخل الأسر بسبب صعوبة التعامل مع تصرفاتهم.
ويقترح أبو خضرة بدلاً من الإلغاء، فتح دور إيواء متخصصة للحالات الشديدة، خاصة لمن فقدوا معيلهم، لتجنب المشكلات الاجتماعية الكبيرة التي يخلفها الدمج غير المدروس مع الأقارب.
عبء مستحيل
تؤكد خديجة (اسم مستعار) أن الدمج قد ينجح في الحالات البسيطة، لكن فرضه على الحالات الشديدة يعد "ظلماً" يهدد استقرار العائلات نفسياً ومادياً. وتُبدي خديجة رفضاً قاطعاً لخيار "الأسرة البديلة"، متسائلة بمرارة: "إذا كنا نحن عائلتها غير قادرين على تحمل وضعها، فكيف ستتأقلم معها أسرة بديلة؟". وحذرت من أن غياب الرقابة قد يحول "الاحتضان" إلى تجارة مادية تفتقر للضمير والإنسانية.
تحذيرات من العنف المنزلي
يرى رئيس تجمع ذوي الإعاقة الأردني، عصام صوالحة، أن إيقاف دور الإيواء أضرّ بالحالات الشديدة وأهاليهم غير المهيئين للتعامل معهم، محذراً من "زيادة العنف" داخل المنازل؛ إذ سُجلت حالات تعرض فيها الأهالي للعنف من قبل أبنائهم لعدم قدرتهم على السيطرة عليهم.
وأكد صوالحة لـ"شييك" أن مخصصات الدمج (من 200 إلى 600 دينار) لا تكفي لتغطية تكاليف المراكز الخاصة أو المعيشة، مقترحاً رفع المبلغ لحالات الإعاقة الشديدة إلى (1000 دينار) لتمكينهم من خيار الإيواء الخاص. كما طالب بضرورة تدريب ذوي الإعاقة البسيطة والمتوسطة وتهيئتهم نفسياً قبل الدمج التدريجي، محذراً من تحول ذوي الإعاقة في "الأسر البديلة" إلى "سلعة للاستغلال المادي". واختتم صوالحة بأن القرار "غير مناسب" وأن الخيار الأنجع هو إبقاء دور الإيواء وتطويرها بدلاً من إغلاقها.
ردّ نيابي
انتقد النائب وليد المصري قرار إلغاء دور الإيواء، مؤكداً في تصريح لـ "شييك" أن التوقيت "ليس في محله" لعدم جاهزية الأهالي، ومحذراً من تبعات مادية ونفسية قد تؤدي إلى "تفكك أسرى" نتيجة صعوبة رعاية الحالات الشديدة منزلياً.
وأشار المصري إلى أن النماذج الدولية لم تلغِ دور الإيواء بالكامل، معلناً عن تبنيه مذكرة نيابية سيطرحها في الجلسة القادمة لمراجعة تداعيات هذا القرار وحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم.