الأردن
شييك : لقاء حمالس
بين أروقة المحاكم ومسؤولية السكن، تخوض المطلقات في الأردن رحلة شاقة للموازنة بين نفقة محدودة وإيجار يثقل كاهلهن. هي حكاية صبر يومي، تبذل فيها الأمهات جهداً مضاعفاً لتأمين طمأنينة أطفالهن، وسط تحديات مادية واجتماعية لا يشعر بمرارتها إلا من يطرق أبواب العدالة بحثاً عن حق واستقرار، في واقع يتطلب الكثير من الثبات.
لم يكن الانفصال أصعب ما في الرحلة، بل تلك التفاصيل التي تلتها"، تروي أم سعيد معاناتها مع نفقة لا تتجاوز 40 ديناراً للطفل. وتضيف: "اضطررت لتمثيل نفسي في المحاكم بعدما عجز المحامون عن إيجاد مخرج، لكنني واجهت واقعاً يكتفي بالحد الأدنى من النفقة، متجاهلاً تكاليف الإيجار والمعيشة المتصاعدة. لا أحتاج وعوداً قانونية، بل عدالة تلمس واقع أطفالي.
ورغم صدور حكم بمبلغ 180 ديناراً ليشمل المسكن والحضانة، إلا أنه يتبدد أمام الإيجار والمصاريف الأساسية، وسط إجراءات قضائية تصفها بأنها لا تراعي حجم الالتزامات الحقيقية. وعن محاولات البحث عن حلول، توضح: "التفاعل مع مجموعات (الواتساب) المتخصصة لا يضمن حقوقنا؛ نحن نحتاج حلولاً عملية وقوانين تُطبق فعلياً، لا مجرد وعود". تختتم "أم سعيد" صرختها بطلب بسيط: أن تتوقف النظرة المجتمعية السلبية، وأن تضمن القوانين للأطفال حقهم في حياة كريمة.
ثغرات إجرائية
تؤكد المحامية سلسبيل التميمي في حديثها لـ "شييك"، أن التعديلات المرتقبة على تنفيذ أحكام النفقة تفتقر لمعايير واضحة تضمن حماية النساء والأطفال؛ فاستبدال الحبس بـ"السوار الإلكتروني" يمنح المدين مهلة تصل لستين يوماً دون ضمانات معيشية للأسرة. وتوضح أن غياب الضوابط الموحدة وصعوبة إثبات الملاءة المالية للمدينين، يؤديان إلى تفاوت في الأحكام يثقل كاهل الأمهات.
وتستعرض التميمي واقعة لطبيبة أسنان اضطرت لبيع ممتلكاتها للإنفاق على أطفالها الأربعة، وانتهى بها الأمر للتنازل عن حضانتهم بسبب العجز المالي؛ ما يعكس خللاً في آليات التنفيذ يضع مستقبل الأطفال في مهب الريح.
وتلفت التميمي إلى أن الصلاحيات الواسعة لقاضي التنفيذ، في ظل غياب ضوابط موحدة، قد تؤدي إلى تفاوت كبير في التطبيق بين المحاكم.
عبء مزدوج
توضح الأخصائية النفسية رزان نعانعة، في حديثها لـ "شييك"، أن الأمهات المطلقات يواجهن ما يُعرف بـ "الضغط النفسي المزدوج"، وهو نتاج تلاقي العجز المالي لتأمين الاحتياجات الأساسية مع استنزاف النزاعات القضائية المستمرة. وتصف نعانعة هذا التداخل بأنه يضع الأم في حالة استنفار دائم، مما يضعف حضورها الذهني والعاطفي مع مرور الوقت، حيث ينصبُّ تركيزها على "البقاء" بدلاً من الرعاية والتطوير.
وتشير نعانعة إلى أن انتظام النفقة يتجاوز كونه دعماً مادياً ليصبح حماية نفسية تضمن استقرار النمو للأطفال. وتخلص إلى أن الحل لا يكمن في مطالبة النساء بمزيد من الصبر، بل في إيجاد آليات تنفيذ فعالة وسريعة، وتوفير دعم جماعي وتمكين اقتصادي يقلل من اعتمادهن القسري على العائلة، ويخفف من وطأة التهرب من المسؤوليات المالية.
مساومة قسرية
تتجسد مخاوف الأخصائيين النفسيين في قصة "أم أوس"، التي تكشف كيف تتحول النفقة من حقٍ للأطفال إلى أداة للضغط الاجتماعي. فبعد سبع سنوات من الطلاق، وجدت الأم نفسها أمام نزاع قضائي جديد تزامن مع قطع نفقة طفليها البالغة 45 ديناراً لكل منهما؛ مبلغٌ رغم ضآلته، إلا أن غيابه كان بداية لمساومة قاسية تهدف لإجبارها على التنازل عن حضانتهما.
لم تقتصر التحديات على الجانب المادي، بل امتدت لمحاولات التأثير على وعي طفلها الأكبر لإقحامه في النزاع. وتؤكد أم أوس أنها لولا مساندة عائلتها في تغطية المصاريف، لكان العجز المالي قد أجبرها على فقدان أبنائها. تبرز هذه القصة كيف تتحول ثغرات التنفيذ القضائي إلى نوع من العنف الاقتصادي الذي يتجاوز أثره المال ليصل إلى زعزعة استقرار الأطفال وسلامة انتماءاتهم
أولوية التنفيذ
يشدد الدكتور إسماعيل القضاة، قاضي محكمة الاستئناف/عمان الشرعية في مقالة معه لـ "شييك"، على أن أي قضية نفقة لا يمكن التعامل معها بمعزل عن البعد الأخلاقي والديني، مؤكّدًا أن الأطفال يجب ألا يكونوا ساحة لتصفية الحسابات بين الأب والأم بعد الطلاق، بل يجب أن يشعر كل والد بمسؤولياته تجاه أولاده، حيث أن الالتزامات تجاه الأطفال لا تتأثر بانتهاء الزواج.
ويضيف الدكتور إسماعيل أن التعامل مع النفقة من منظور قانوني بحت يجعل القضية مجرد خصومة قانونية وبحث عن ثغرات، بينما يضمن القانون حماية الطفل أولًا. ويشير إلى أن أحكام النفقة تُعتبر ديونًا لها أولوية في التنفيذ على أي التزامات مادية أخرى، وتأتي قبل أي نوع آخر من الديون.
وبحسب القضاة، هناك مجموعة من الوسائل التنفيذية لإلزام الأب المحكوم عليه بالنفقة، تبدأ بالحجز على الراتب سواء في القطاع العام أو الخاص، ثم الحجز على أمواله، ومنعه من السفر، وقد تصل أحيانًا إلى الحبس في حال الامتناع عن الدفع.
حديثًا، تم تعديل قانون التنفيذ ليشمل الأساور الإلكترونية كخيار إضافي، دون أن يُلغي العقوبة الأصلية.
"كل هذه الوسائل تعتبر فاعلة ومؤثرة وتهدف إلى حماية حقوق الأطفال، ولا يمكن القول إنها تحقق 100% من النفقة، لكنها تضمن تحصيل الغالبية العظمى منها".
ويضيف القضاة أن دائرة قاضي القضاة استحدثت وسائل دفع إلكترونية لتسهيل تحصيل النفقة، بما في ذلك استخدام بطاقة الأسرة، ما يتيح للأم استلام المبالغ من أجهزة الصراف الآلي دون الحاجة لمراجعة المحكمة كل شهر، كما يمكّن الأب من دفع النفقة بسهولة دون مراجعة المحكمة، ما يسرّع الإجراءات ويضمن انتظام الصرف.
"هذا النظام الإلكتروني والتسهيلات المصاحبة له جعل عملية تحصيل النفقة أكثر فعالية ومرونة، ويخفف العبء الإداري والقانوني عن الأمهات ويضمن حقوق الأطفال بشكل مستدام".
فجوة الأرقام
رغم المؤشرات الإيجابية التي تضمنها تقرير جريدة "الرأي" حول إنجازات دائرة قاضي القضاة، لا يزال الواقع الميداني يكشف عن تحديات جسيمة. فبينما تشير الأرقام إلى نجاح مكاتب الإصلاح الأسري في حل 39 ألف حالة رضائياً وتوفيق 48 ألف قضية قبل التقاضي، مع بلوغ نسبة إنجاز القضايا 97.3%، يظل قياس الأثر الحقيقي مرتبطاً بقدرة هذه الإجراءات على تلبية احتياجات الأسر الفعلية.
وفي حين قدم صندوق تسليف النفقة دعماً لـ 2600 مستفيدة بمبالغ بلغت 2.34 مليون دينار كشبكة أمان، إلا أن هذه الإحصائيات لا تعكس بالضرورة استقرار الأمهات في ظل التضخم المعيشي. فالأرقام الرسمية تمثل جانباً من المجهود المؤسسي، لكنها لا تزال لا تحجب المعاناة النفسية والاقتصادية الناتجة عن تدني قيم النفقة أو الثغرات التنفيذية التي تتيح استغلال القانون لصالح الطرف المقصر، مما يبقي حقوق الأطفال رهناً بآليات تنفيذ أكثر مرونة وواقعية.
معايير الكرامة المعيشية
يرى الخبير الاقتصادي والاجتماعي حسام عايش، في حديثه لـ "شييك"، أن القصور في تحصيل النفقة وتدني قيمتها يعكسان فجوة عميقة بين النصوص القانونية والواقع، مرجعاً ذلك إلى غياب معايير واضحة تربط النفقة بمعدلات التضخم وتكاليف المعيشة المتغيرة. ويشير عايش إلى أن تدني هذه المبالغ قد ينتج أحياناً عن "مكايدة شخصية" أو نزعات نرجسية تجعل من التلاعب بالحقوق جزءاً من النزاع المستمر، مما يستدعي وضع حد أدنى يضمن كرامة المعيشة للأطفال والأمهات.
ويؤكد عايش أن الحل الجذري يتطلب تطوير أدوات تنفيذ رقمية تضمن انتظام التحصيل، وربط القيمة بمؤشرات اقتصادية واضحة كالحد الأدنى للأجور ومتوسط دخل الفرد، مع ضرورة وضع معايير دقيقة لقياس الملاءة المالية للمدين لمنع التحايل. ويخلص إلى أن تحويل النفقة من التزام شكلي إلى استحقاق اقتصادي مستدام، تحت إشراف مؤسسي، من شأنه تعزيز العدالة الاجتماعية والحد من العنف الاقتصادي الممارس ضد الأسرة بعد الانفصال.
المواثيق الدولية
يتجاوز أثر تعثر تحصيل النفقة في الأردن البعد المحلي، ليلامس بنود اتفاقية حقوق الطفل الدولية التي صادق عليها الأردن عام 1991 ونُشر قانون التصديق في الجريدة الرسمية رقم 4787 عام 2006؛ إذ تلزم المادة (27/4) الدول باتخاذ التدابير المناسبة لضمان تحصيل نفقة الطفل من الوالدين أو المسؤولين مالياً، داخل الدولة أو خارجها. ويُرى في آراء حقوقية أن التراخي في آليات التحصيل أو تدني قيمتها قد يُشكل إخلالاً غير مباشر بمبدأ "المصلحة الفضلى للطفل" (المادة 3)، الذي يُلزم الدولة بالتدخل لضمان مستوى معيشي ملائم لنمو الطفل جسدياً وعقلياً واجتماعياً، دون أن تظل حقوقه رهينة لثغرات إجرائية أو مماطلات تنفيذية، وإن لم يُسجل حكم دولي صريح بمخالفة.
تأخر النفقة في الأردن يمثل تحديًا متعدد الأبعاد
يمثل تأخر النفقة في الأردن تحدياً مركباً تتداخل فيها الأبعاد الإنسانية والقانونية والاجتماعية، حيث يظل الأطفال الحلقة الأضعف والأمهات المعيل الوحيد لمواجهة الأعباء. ورغم التحسينات الإلكترونية، تبرز الحاجة الملحة لربط النفقة بتكاليف المعيشة الفعلية، وتبسيط الإجراءات القضائية بما يضمن انتظام التحصيل وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي اللازم للأسر المتضررة.
ويبقى الرهان اليوم على تضافر الجهود المؤسسية والمجتمعية لتحويل النفقة من مجرد التزام قانوني جامد إلى ضمانة حقيقية تصون الكرامة الإنسانية، وتؤمن للأطفال بيئة مستقرة بعيداً عن تداعيات الانفصال المادية؛ فإقرار العدالة في النفقة هو استثمار في مستقبل الجيل القادم واستقرار المجتمع ككل.