الأردن
فريق شييك
لم يكن الانفصال في نظر "سبأ" و"أمينة" و"أمل" نهايةً لعلاقة زوجية فحسب، بل كان إيذانًا ببداية رحلةٍ في مجهولٍ قانوني واجتماعي لم يكن في الحسبان.
فبينما تفترض القوانين أن "المصلحة الفضلى للطفل" هي البوصلة التي تحكم قرارات الحضانة، تحولت أروقة المحاكم في كثير من الحالات إلى ساحةٍ تُستخدم فيها "الولاية"كأداةٍ للتحكم، لا للحماية.
هناك، خلف الأبواب الموصدة، لا تنتهي النزاعات بمجرد نطق الحكم، بل تتجاوز ذلك لتصنع واقعًا جديدًا يجد فيه الأطفال أنفسهم وقد حُرموا من دفء الوالدين، فيما تُسلب من الأمهات أبسط حقوقهن في البقاء على مقربةٍ من أبنائهن، أو حتى اختيار وجهتهن المهنية. هذه ليست مجرد خلافاتٍ عائلية عابرة؛ إنها حكاية أزمةٍ صامتة تتداخل فيها المسافات الجغرافية بالثغرات القانونية، لتكشف عن خللٍ بنيوي يدفع ثمنه الجميع.. حين تُوظَّف إجراءات السفر كأداةٍ للضغط، وتغدو "الحدود" حاجزًا يقف بين الأم وحقها، وبين الطفل وحقه في حياةٍ سوية.
سبأ المقابلة ... عام كامل من الانتظار
لم يكن عمر طفل "سبأ" يتجاوز الثلاث سنوات حين تحوّل موعد "الرؤية" الاعتيادي إلى بداية فراقٍ قسري طويل. وفقًا للترتيبات القضائية المعتادة، كان الأب يصطحب الطفل لساعات محددة أسبوعيًا قبل إعادته إلى والدته، لكن إحدى تلك الزيارات كسرت القاعدة؛ خرج الطفل مع والده، ولم يعد..
تروي سبأ بحرقة كيف سارعت لاتخاذ الإجراءات القانونية فور إدراكها لتعنت الأب، لكن الأحداث كانت أسرع من القوانين؛ ففي غضون أقل من أسبوع، كان الأب قد غادر الأردن برفقة الطفل، لتجد سبأ نفسها فجأة أمام جدارٍ من الصمت والغياب، محرومةً من أبسط حقوقها في رؤية ابنها أو الاطمئنان عليه.
عامٌ كاملٌ مضى على ذلك الفراق، لا تزال خلاله سبأ تفتقر لأي تفاصيل عن حياة طفلها اليومية أو أوضاعه الراهنة. ورغم لجوئها إلى المسار القضائي وإقامتها دعوى "ضم" لاستعادة حقها قانونيًا، لا تزال القضية عالقة في أروقة المحاكم، بانتظار حكم نهائي لم يأتِ بعد.
إن قصة سبأ ليست مجرد خلاف شخصي؛ بل هي تجسيدٌ لواحدة من أكثر معضلات النزاع الأسري تعقيدًا، حيث يتحول النزاع بين الوالدين إلى قطيعةٍ قسرية مع الطفل، وتغدو المسافات الجغرافية -والحدود الدولية- حاجزًا منيعًا يحرم الصغار من حقهم الأصيل في رعاية والديهم.هنا،هنا،هنا
أمينة.. سنواتٌ تُسرق في غياب الأبناء
وفي الجانب الآخر من هذه المأساة، تعيش "أمينة" (اسم مستعار) فصلاً مختلفًا من الفقد. فبعد انفصالها عن زوجها، وجدت نفسها أمام واقعٍ قانوني قاهر؛ إذ غادر الأب البلاد متوجهًا إلى المملكة العربية السعودية مصطحبًا معه الأطفال، مستندًا إلى صلاحياته في "الولاية" التي تمنحه حق التحكم في مكان إقامة الأبناء.
منذ تلك اللحظة، تحولت حياة أمينة إلى سجلٍ طويل من الغياب. تصف أمينة بألمٍ بالغ أن أقصى درجات القسوة لا تكمن في البعد الجغرافي فحسب، بل في "شريط الذكريات المسروق"؛ فهي لا تعرف شيئًا عن ملامح أطفالها بعد سنوات من الفراق، كيف تجاوزوا أزماتهم الصحية؟ كيف كانت أيامهم الدراسية الأولى؟ وكيف تشكلت شخصياتهم واهتماماتهم في غيابها؟ هي تراقب الزمن وهو يمضي، مدركةً أن سنوات الطفولة التي تُهدر لن تعود، وأنها فقدت جزءًا من "الأمومة" التي لا يمكن تعويضها.
بين قصة "سبأ" التي لا تزال تصارع أروقة المحاكم، ومعاناة "أمينة" التي اصطدمت بصلاحيات الولاية القانونية، تظهر إشكالية جوهرية تتجاوز مجرد الخلافات الشخصية؛ إذ تبدو المنظومة القانونية أحيانًا عاجزة عن حماية "حق الطفل" في التواصل مع والديه، حيث تُستخدم "الولاية" أو "الإجراءات القضائية" في بعض الحالات كأداة للتحكم أو العقاب، بدلاً من أن تكون درعًا لحماية الاستقرار النفسي للأطفال..
أمل.. حين يغدو "السفر" عائقًا أمام طموح الأم
أما "أمل" (اسم مستعار)، فتواجه تحديًا من نوعٍ آخر يربط بين الحقوق الأسرية والفرص الاقتصادية. بعد سنوات من الجد والعمل، تلقت "أمل" عرضًا وظيفيًا مهمًا في إحدى دول الخليج، رأت فيه طوق نجاة لتحسين ظروفها المعيشية وتأمين مستقبلٍ أفضل لها ولطفلتها. لكن هذا الطموح اصطدم بجدار الولاية؛ إذ تطلّب الانتقال اصطحاب الطفلة، وهو ما استوجب موافقة الوالد.
تروي "أمل" بأسى كيف باءت محاولاتها للتوصل إلى تفاهم مع والد طفلتها بالفشل، مما أدى في نهاية المطاف إلى تعثر إجراءات السفر وخسارة الفرصة الوظيفية التي كانت تأمل بها. وتضيف أن هذا القرار وضعها أمام "معادلة مستحيلة": إما التضحية بمستقبلها المهني، أو الابتعاد عن طفلتها؛ مؤكدة أن الكثير من الأمهات يجدن أنفسهن عالقات في صراعات مشابهة تُسلب فيها حريتهن في الحركة والتطور بعد الانفصال.
وبينما تختلف تفاصيل رحلات "سبأ" و"أمينة" و"أمل"، يظل القاسم المشترك بين قصصهن جليًا؛ فقد تحولت قرارات السفر بعد الانفصال إلى "ساحة معركة" قانونية أثقلت كاهل الأسرة. فبين أمٍ حُرمت من رؤية طفلها، وأخرى فقدت التواصل مع أبنائها، وثالثة قُيّدت حريتها المهنية، تتكشف التحديات الحقيقية التي تواجهها الأسر عند تقاطع نصوص "الحضانة" و"الولاية" مع قرارات السفر والإقامة، مما يطرح تساؤلاً ملحًا حول توازن القوى داخل هذه المنظومة..
بين الحضانة والولاية.. التكييف القانوني للنزاع
لا يمكن فهم تعقيدات النزاع الأسري الذي يمس حق الأطفال في التنقل والرعاية دون العودة إلى تكييفه في قانون الأحوال الشخصية الأردني، الذي يضع حدودًا فاصلة بين "حق الحضانة" و"سلطة الولاية".
تمنح المادة (170) من القانون أولوية واضحة للأم في الرعاية، إذ تنص على أن: "الأم النسبية أحق بحضانة ولدها وتربيته حال قيام الزوجية وبعد الفرقة، ثم بعد الأم ينتقل الحق لأمها ثم لأم الأب ثم للأب، ثم للمحكمة أن تقرر بناء على ما لديها من قرائن لصالح رعاية المحضون إسناد الحضانة لأحد الأقارب الأكثر أهلية". ومع ذلك، يظل هذا الحق مقيدًا بضوابط صارمة، حيث تشترط المادة نفسها في الحاضنة شروطًا معينة، من بينها ألا تكون متزوجة من أجنبي عن المحضون، بينما تحدد المادة (172) الحالات التي يترتب فيها سقوط حق الحضانة قانونًا.
هذا التوازن يختل أمام معضلة "السفر"، التي تضع الأم الحاضنة أمام عائق الولاية. فالمادة (176) صريحة في تقييد حركة المحضون، إذ تنص على أن: "المحضون إذا كان أردنيًا فليس لحاضنته الحق في الإقامة أو السفر به خارج المملكة إلا بموافقة الولي". وبموجب هذا النص، تغدو موافقة الولي شرطًاجوهريًا، ما لم تلجأ الحاضنة إلى القضاء للحصول على إذن استثنائي.
وهنا يبرز الفارق الجوهري في الصلاحيات؛ فالقانون يمنح "الولاية" -التي تخول صاحبها إدارة شؤون القاصر واتخاذ القرارات الأساسية، كالمعاملات المالية والقانونية- للأب أولاً. وتفصّل المادة (223) هذا الترتيب بقولها: "ولي الصغير هو أبوه، ثم وصي أبيه، ثم جده الصحيح، ثم وصي الجد، ثم المحكمة أو الوصي الذي نصبته المحكمة". وهكذا، تجد الأم نفسها حاضنة ومسؤولة عن الرعاية اليومية، لكنها تفتقر للولاية القانونية الأصلية التي تمنح الأب سطوة القرار في شؤون الطفل المصيرية.
ويُعرّف القانون الولاية باعتبارها السلطة القانونية التي تخول صاحبها إدارة شؤون القاصر واتخاذ القرارات الأساسية المتعلقة به، مثل المعاملات الرسمية وبعض الإجراءات المالية والقانونية. هنا،هنا
ورغم هذه الصلاحيات الممنوحة للولي، لا يعد السفر ممنوعًا بشكل مطلق على الحاضنة؛ فالمسار القضائي يظل مفتوحًا أمامها إذا كان السفر يحقق مصلحة جوهرية للطفل، كالعلاج أو التعليم أو تحسين الظروف المعيشية. وفي هذه الحالة، تقوم المحكمة بدراسة المعطيات المتاحة في كل دعوى على حدة، استنادًا إلى المعيار الحقوقي الأسمى: "مصلحة الطفل الفضلى". هنا
بين النص والتطبيق.. فجوةٌ تُعقد مسارات السفر
لا تقف التحديات التي تواجهها الأمهات عند حدود النصوص القانونية، بل تمتد لتصل إلى تعقيدات التطبيق العملي. وفي هذا السياق، ترى الخبيرة القانونية وسام أبو ربيع، في حديثها لمنصة "شييك"، أن جوهر الإشكالية لا يكمن في جمود القانون بقدر ما يكمن في تباين تفسيره وتطبيقه على أرض الواقع.
توضح أبو ربيع أن مسار سفر الأطفال برفقة الأم الحاضنة دون موافقة الأب يمر عبر بوابة "طلب إذن السفر" أمام المحكمة، وهو إجراءٌ لا يضمن بالضرورة نتيجة حاسمة؛ إذ يخضع كل طلب لمسار قضائي يستغرق جلسات عدة، تتوقف نتيجتها على القناعة التي تتشكل لدى المحكمة في ضوء ظروف كل قضية. وتستشهد أبو ربيع بواقعة عملية من ملفاتها، حيث تقدمت بطلب للسماح لموكلتها بالسفر مع ابنتها لأداء مناسك العمرة، مستوفيةً كافة الشروط القانونية، بما في ذلك تقديم "كفيل عدلي"، ومع ذلك رُفض الطلب تحت ذريعة الحاجة لتبرير أسباب السفر بشكل أكثر تفصيلاً، مما اضطرها في نهاية المطاف للعودة إلى الأب للحصول على موافقته كحلٍ أخير.
وعن الإطار الإجرائي، تشير أبو ربيع إلى أن القانون يتيح للأم الحاضنة السفر بأطفالها بشرط تقديم "كفيل عدلي" يضمن عودتهم، وهو كفيلٌ غالبًا ما يشترط فيه القانون أن يكون من الأقارب من الدرجة الأولى، وأن يمتلك عقارًا أو أصولاً مالية معترفًا بها، بالإضافة إلى وجوب تحديد مدة السفر بوضوح. وتشدد أبو ربيع على أن: "النص القانوني واضح ولا يمنع سفر الأم الحاضنة مع أطفالها بشكل مطلق، بل يضع ضوابط لتحقيق التوازن بين حقوق الطرفين ومصلحة الطفل". إلا أن الفجوة تظهر حين يواجه المتقاضون تفاوتًا في القرارات القضائية رغم تشابه الظروف، وهو ما يولد لدى الكثير من الأمهات شعورًا بأن استيفاء الشروط القانونية لا يمثل دائمًا ضمانةً للقبول.
من زاوية أخرى، تلفت أبو ربيع إلى أن المشرع منح الطرفين -الأب والأم- حق طلب منع سفر الأطفال في حال وجود مخاوف جدية من نقلهم أو تغييبهم، مؤكدةً أن فلسفة "الولاية" ومنع السفر في أصلها وُجدت لحماية حقوق الأطفال وضمان عدم الإضرار بأي من الوالدين. وتختم أبو ربيع بالتأكيد على الدور المحوري للمحاكم الشرعية في الفصل بهذه النزاعات، مشددة في الوقت ذاته على الحاجة الملحة لتطبيق أكثر اتساقًا ووضوحًا للنصوص، بما يقلص الهوة بين ما يتيحه القانون نظريًا وما يواجهه المتقاضون عمليًا، لتبقى "مصلحة الطفل الفضلى" هي البوصلة الحقيقية التي توجه كافة القرارات القضائية المتعلقة بالسفر والحضانة.
امتدادٌ لمطالبات قديمة.. جدلٌ حقوقي لا يتوقف
هذه المطالبات بتعديل المنظومة التشريعية ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لنقاشٍ حقوقي مستفيض وممتد عبر سنوات. وفي تقريرٍ نشرته صحيفة "الغد" عام 2023، تم تسليط الضوء على هذه الفجوة؛ حيث أشارت هالة عاهد، رئيسة اللجنة القانونية في اتحاد المرأة الأردنية، إلى أن تطبيق المادتين (176) و(177) من قانون الأحوال الشخصية يمثل إشكالية جوهرية، كون القانون يمنح الأم "مهمة رعائية" دون أن يمنحها "صلاحية قانونية" موازية.
وأوضحت عاهد في ذلك التقرير أن منظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق النساء قد طالبت مرارًا بإجراء تعديلات جذرية على هاتين المادتين، منتقدةً تعامل القانون مع حضانة الأمهات كـ "مسؤولية ومهمة رعاية فقط"، رغم أن الأم هي الطرف الذي يتحمل العبء اليومي والفعلي لتربية الطفل وتنشئته.
وتلخص عاهد الإشكالية في تناقضٍ منطقي؛ إذ تتساءل: "من غير المعقول أن يعترف القانون بحق الأم بحضانة أبنائها دون أن يعترف لها بحقوق أخرى مرتبطة بها كالسفر واستخراج جواز السفر، وتظل تلك الصلاحيات محصورة في يد الولي". وتعتبر عاهد أن هذا الفصل الحاد بين الحضانة والصلاحيات القانونية يخلق تحديات عملية يومية، تضع الأمهات في مواجهة مباشرة مع تعقيدات إجرائية تحول دون قدرتهن على اتخاذ قرارات تصب في مصلحة أطفالهن، وهي مطالبات ما تزال تشكل محوراً أساسياً في النقاشات الحقوقية المعاصرة حول ضرورة موائمة القانون مع واقع الأدوار الأسرية المعقدة.
حين يتحول الانفصال إلى أثر نفسي ممتد
لا تتوقف تداعيات النزاع الأسري عند أروقة المحاكم أو النصوص القانونية؛ إذ يمتد أثرها ليصيب "الأمان النفسي" للأطفال. وفي هذا السياق، توضح المستشارة النفسية رزان النعانعة لـ"شييك"، أن ارتباط الطفل بكلا والديه يمثل الركيزة الأساسية لتكوين شخصيته السوية، مؤكدة أن حرمانه من أحدهما -بشكل مفاجئ أو قسري- يجعله عرضة لمشاعر حادة من القلق والحزن وخوف الفقد، ما يلقي بظلاله على سلوكه وتوازنه في مختلف مراحل عمره.
وترى النعانعة أن انقطاع التواصل المنتظم، سواء كان مدفوعاً بظروف قانونية أو صراعات شخصية، يزعزع استقرار الطفل، ويؤثر سلباً على نموه العاطفي والاجتماعي وثقته بمحيطه. وتحذر من أن الانقطاع الممتد يترك ندوباً نفسية طويلة الأمد، قد تترجم لاحقاً في صورة "انخفاض تقدير الذات"، وصعوبات في بناء العلاقات مستقبلاً، فضلاً عن ارتفاع احتمالية الإصابة بالقلق أو الاكتئاب والمشكلات السلوكية.
وتضيف النعانعة بُعدًا آخر للأزمة، مشيرة إلى أن استمرار النزاعات القضائية وتصاعد حدة الاتهامات بين الوالدين أمام الأطفال يجعل منهم "طرفًا في الصراع"، وهو ما يضاعف من الضغوط النفسية التي يتحملونها. وتشدد على أن "مصلحة الطفل" تتحقق حصرًا من خلال تحييده عن الصراعات، وتوفير بيئة مستقرة تضمن استمرارية العلاقة مع كلا الوالدين.
وفيما يخص الجدل حول سفر الأطفال، تؤكد النعانعة أن المسألة لا تكمن في "السفر" بحد ذاته، بل في ضمان "الاستقرار". فالسفر قد يكون وسيلة لتحسين ظروف الطفل ورعايته، شريطة وجود آلية تضمن تواصله المنتظم والفعال مع والده. وتختم المستشارة برأيها المهني القاطع: "أي قرار يتعلق بمصير الأطفال، سواء في السفر أو الإقامة، يجب أن يضع مصلحتهم النفسية وحقهم في الحفاظ على علاقةٍ متوازنة مع كلا الوالدين في المقام الأول، فالعلاقة هي حقٌ أصيل للطفل قبل أن تكون حقاً لأي من والديه"..
الطفل.. الأولوية المطلقة
تكشف هذه الحالات أن التحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص القانونية فحسب، بل في تعقيدات الموازنة بين حماية حقوق الوالدين من جهة، وضمان "المصلحة الفضلى للطفل" في كل واقعةٍ على حدة من جهة أخرى. فبينما تسعى التشريعات إلى سد الذرائع لمنع تغييب الأطفال أو استغلال السفر كأداة للإضرار بالطرف الآخر، تجد أسرٌ كثيرة نفسها أمام واقعٍ يفرض السفر كضرورةٍ حتمية مرتبطة بفرص العمل، أو المسارات التعليمية، أو الاستقرار الأسري.
وعند تقاطع "حق الولاية" مع "حق الحضانة"، تظل الغاية الجوهرية هي تحييد الأطفال عن أن يكونوا ضحايا جانبيين في نزاعات الكبار. فمهما اختلفت الظروف وتعددت القرارات القضائية، يبقى "حق الطفل" في الحفاظ على روابطه بوالديه والشعور بالأمان هو المعيار القيمي الذي يجب أن يوجه أي قرارٍ يرسم ملامح مستقبله.
وفي ظل تنامي معدلات الانفصال وتحول أنماط الحياة والعمل، تبرز الحاجة الملحة إلى آلياتٍ قضائية وإجرائية أكثر مرونة وفاعلية، تضمن استدامة التواصل بين الطفل ووالديه رغم المسافات الجغرافية. إن الوصول إلى هذا التوازن هو السبيل الوحيد لتحقيق المقاصد الحقيقية للتشريعات الأسرية؛ بأن يظل حماية الطفل والارتقاء بنموه النفسي والاجتماعي هي الغاية الأولى والأخيرة.
النتيجة