"حق الولاية" .. كيف تُقيّد إجراءات السفر بعد الانفصال مستقبل الأمهات والأطفال في الأردن؟

image
صورة مولدة بتقنية ai
حقوق إنسان منوعات 2026-06-09


الأردن

فريق شييك

يرصد تقرير 'شييك' تحديات سفر الأطفال بعد الانفصال في الأردن، موازنًا بين الولاية والحضانة، ومسلطًا الضوء على أثر الخلافات الأسرية والإجراءات القانونية على مصلحة الطفل الفضلى 

 

لم يكن الانفصال في نظر "سبأ" و"أمينة" و"أمل" نهايةً لعلاقة زوجية فحسب، بل كان إيذانًا ببداية رحلةٍ في مجهولٍ قانوني واجتماعي لم يكن في الحسبان.

 فبينما تفترض القوانين أن "المصلحة الفضلى للطفل" هي البوصلة التي تحكم قرارات الحضانة، تحولت أروقة المحاكم في كثير من الحالات إلى ساحةٍ تُستخدم فيها "الولاية"كأداةٍ للتحكم، لا للحماية.

 هناك، خلف الأبواب الموصدة، لا تنتهي النزاعات بمجرد نطق الحكم، بل تتجاوز ذلك لتصنع واقعًا جديدًا يجد فيه الأطفال أنفسهم وقد حُرموا من دفء الوالدين، فيما تُسلب من الأمهات أبسط حقوقهن في البقاء على مقربةٍ من أبنائهن، أو حتى اختيار وجهتهن المهنية. هذه ليست مجرد خلافاتٍ عائلية عابرة؛ إنها حكاية أزمةٍ صامتة تتداخل فيها المسافات الجغرافية بالثغرات القانونية، لتكشف عن خللٍ بنيوي يدفع ثمنه الجميع.. حين تُوظَّف إجراءات السفر كأداةٍ للضغط، وتغدو "الحدود" حاجزًا يقف بين الأم وحقها، وبين الطفل وحقه في حياةٍ سوية. 




سبأ المقابلة ... عام كامل من الانتظار

لم يكن عمر طفل "سبأ" يتجاوز الثلاث سنوات حين تحوّل موعد "الرؤية" الاعتيادي إلى بداية فراقٍ قسري طويل. وفقًا للترتيبات القضائية المعتادة، كان الأب يصطحب الطفل لساعات محددة أسبوعيًا قبل إعادته إلى والدته، لكن إحدى تلك الزيارات كسرت القاعدة؛ خرج الطفل مع والده، ولم يعد..

تروي سبأ بحرقة كيف سارعت لاتخاذ الإجراءات القانونية فور إدراكها لتعنت الأب، لكن الأحداث كانت أسرع من القوانين؛ ففي غضون أقل من أسبوع، كان الأب قد غادر الأردن برفقة الطفل، لتجد سبأ نفسها فجأة أمام جدارٍ من الصمت والغياب، محرومةً من أبسط حقوقها في رؤية ابنها أو الاطمئنان عليه.

عامٌ كاملٌ مضى على ذلك الفراق، لا تزال خلاله سبأ تفتقر لأي تفاصيل عن حياة طفلها اليومية أو أوضاعه الراهنة. ورغم لجوئها إلى المسار القضائي وإقامتها دعوى "ضم" لاستعادة حقها قانونيًا، لا تزال القضية عالقة في أروقة المحاكم، بانتظار حكم نهائي لم يأتِ بعد.

إن قصة سبأ ليست مجرد خلاف شخصي؛ بل هي تجسيدٌ لواحدة من أكثر معضلات النزاع الأسري تعقيدًا، حيث يتحول النزاع بين الوالدين إلى قطيعةٍ قسرية مع الطفل، وتغدو المسافات الجغرافية -والحدود الدولية- حاجزًا منيعًا يحرم الصغار من حقهم الأصيل في رعاية والديهم.هنا،هنا،هنا

أمينة.. سنواتٌ تُسرق في غياب الأبناء

وفي الجانب الآخر من هذه المأساة، تعيش "أمينة" (اسم مستعار) فصلاً مختلفًا من الفقد. فبعد انفصالها عن زوجها، وجدت نفسها أمام واقعٍ قانوني قاهر؛ إذ غادر الأب البلاد متوجهًا إلى المملكة العربية السعودية مصطحبًا معه الأطفال، مستندًا إلى صلاحياته في "الولاية" التي تمنحه حق التحكم في مكان إقامة الأبناء.

منذ تلك اللحظة، تحولت حياة أمينة إلى سجلٍ طويل من الغياب. تصف أمينة بألمٍ بالغ أن أقصى درجات القسوة لا تكمن في البعد الجغرافي فحسب، بل في "شريط الذكريات المسروق"؛ فهي لا تعرف شيئًا عن ملامح أطفالها بعد سنوات من الفراق، كيف تجاوزوا أزماتهم الصحية؟ كيف كانت أيامهم الدراسية الأولى؟ وكيف تشكلت شخصياتهم واهتماماتهم في غيابها؟ هي تراقب الزمن وهو يمضي، مدركةً أن سنوات الطفولة التي تُهدر لن تعود، وأنها فقدت جزءًا من "الأمومة" التي لا يمكن تعويضها.

بين قصة "سبأ" التي لا تزال تصارع أروقة المحاكم، ومعاناة "أمينة" التي اصطدمت بصلاحيات الولاية القانونية، تظهر إشكالية جوهرية تتجاوز مجرد الخلافات الشخصية؛ إذ تبدو المنظومة القانونية أحيانًا عاجزة عن حماية "حق الطفل" في التواصل مع والديه، حيث تُستخدم "الولاية" أو "الإجراءات القضائية" في بعض الحالات كأداة للتحكم أو العقاب، بدلاً من أن تكون درعًا لحماية الاستقرار النفسي للأطفال..

 

أمل.. حين يغدو "السفر" عائقًا أمام طموح الأم

أما "أمل" (اسم مستعار)، فتواجه تحديًا من نوعٍ آخر يربط بين الحقوق الأسرية والفرص الاقتصادية. بعد سنوات من الجد والعمل، تلقت "أمل" عرضًا وظيفيًا مهمًا في إحدى دول الخليج، رأت فيه طوق نجاة لتحسين ظروفها المعيشية وتأمين مستقبلٍ أفضل لها ولطفلتها. لكن هذا الطموح اصطدم بجدار الولاية؛ إذ تطلّب الانتقال اصطحاب الطفلة، وهو ما استوجب موافقة الوالد.

تروي "أمل" بأسى كيف باءت محاولاتها للتوصل إلى تفاهم مع والد طفلتها بالفشل، مما أدى في نهاية المطاف إلى تعثر إجراءات السفر وخسارة الفرصة الوظيفية التي كانت تأمل بها. وتضيف أن هذا القرار وضعها أمام "معادلة مستحيلة": إما التضحية بمستقبلها المهني، أو الابتعاد عن طفلتها؛ مؤكدة أن الكثير من الأمهات يجدن أنفسهن عالقات في صراعات مشابهة تُسلب فيها حريتهن في الحركة والتطور بعد الانفصال.

وبينما تختلف تفاصيل رحلات "سبأ" و"أمينة" و"أمل"، يظل القاسم المشترك بين قصصهن جليًا؛ فقد تحولت قرارات السفر بعد الانفصال إلى "ساحة معركة" قانونية أثقلت كاهل الأسرة. فبين أمٍ حُرمت من رؤية طفلها، وأخرى فقدت التواصل مع أبنائها، وثالثة قُيّدت حريتها المهنية، تتكشف التحديات الحقيقية التي تواجهها الأسر عند تقاطع نصوص "الحضانة" و"الولاية" مع قرارات السفر والإقامة، مما يطرح تساؤلاً ملحًا حول توازن القوى داخل هذه المنظومة..